|
أملته معطيات وتفرضه مكافحة الإرهاب
التسلح في الجزائر .. خيار إستيراتيجي دائم
كامل الشيرازي من الجزائر: إتسّم الحديث عن ملف التسلح في الجزائر على الدوام بقدر مضاعف من الحساسية والخصوصية، على نحو جعل الشارع المحلي هناك يتعاطى دوما بتحفظ ظاهر مع الموضوع فهو أكثر المسائل غموضا وإنطباعا بالسرية، حتى وإن كان الخوض في التسلح خلال السنوات الأخيرة شهد نقلة نوعية إعلاميا، مع بدء المسؤولين الجزائريين تولي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مقاليد الحكم، في الحديث عن الإنتقال بالجيش الجزائري إلى طور الإحترافية وتحديث المعدات الحربية التي تآكلها الصدأ منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي. وقصد تسليط الضوء على راهن منظومة التسلح الجزائرية، ومختلف الأشواط التي قطعتها منذ إستقلال الجزائر في يوليو/تموز 1962، قامت "إيلاف" برصد ما إكتنف مسار التسلح، بمعية الخبيرين الجزائريين "كمال منصاري" و"د/إسماعيل معراف".
3 مراحل وكتلة من التطورات
تشير المعلومات الرسمية المتوفرة إلى رصد السلطات الجزائرية على مدار الفترة ما بين
1963 و1998 مخصصات بحدود 10 مليارات دولار بغرض اقتناء أسلحة عصرية ومتطورة،
غالبيتها جرى جلبها اعتبارا من مطلع التسعينات لاعتبارات ميدانية فرضتها مكافحة الإرهاب ودعم
إحترافية الجيش، ويلاحظ الفاحص لتفاصيل قوانين الموازنة السنوية أنّ حجم ما تستفيد منه وزارة الدفاع
الجزائرية أكبر بكثير مما يتم إقراره لصالح الأسلاك القطاعية الأخرى، حيث واظب معدّو قوانين الموازنة
منذ استقلال البلاد على رفع سقف المبالغ الخاصة بالشأن الدفاعي وتسليح الجيش.
وتقول وثائق غربية كُشف النقاب عنها حديثا، إنّ دولة مثل ألمانيا الديمقراطية لعبت سنوات الستينات دوراً
محورياً في بناء أسس الصناعة العسكرية الخفيفة في الجزائر، من خلال تزويد مصانع ألمانية عدة
للجانب الجزائري معدات ذات تقنية، ومنحها فرص تكوين وتأهيل للكوادر الجزائرية داخل المؤسسات
العسكرية في ألمانيا الديمقراطية وقتئذ، وهو ما دعمته الجزائر التي خرجت من احتلال فرنسي
استمر 132 سنة، بعقد صفقات خلال تلك الفترة مع كل من بلغاريا ويوغوسلافيا وكوريا الشمالية.
وفي مقابلة خاصة مع "إيلاف"، قسّم الدكتور إسماعيل معراف المسلك الذي اتخذه التسلح في الجزائر
إلى ثلاث مراحل كبرى، بدأت الأولى - بحسبه - مباشرة بعد الاستقلال، واعتمدت بشكل تقليدي
على الاتحاد السوفياتي الراحل في مجال تزويد السلاح والمعسكر الاشتراكي بشكل عام، ويضيف
معراف أنّ صفقات التسلح آنذاك اقتصرت على المجالين البري والجوي فقط، بينما شهدت
المرحلة الثانية اعتبارا من العام 1974، تحولا بسبب مخلفات أزمة الطاقة آنذاك، والمواقف التي
اشتهرت بها الجزائر خلال عهد رئيسها الراحل "الهواري بومدين" بمناهضتها الامبريالية والسيطرة
الأميركية والغربية، بالتزامن مع بروز خلاف وعداء قوي مع المغرب، ويفيد الأكاديمي والباحث
الاستيراتيجي اسماعيل معراف أنّ هذه المرحلة الثانية تميزت بالتركيز على تنويع مصادر اقتناء السلاح
مع شركاء متعددين محسوبين على المعسكر الاشتراكي، مع دخول فرنسا على الخط، إثر العودة التدريجية
للعلاقات الجزائرية الفرنسية، ويركّز معراف على أنّ باريس كانت تبيع السلاح للجزائر والمغرب حتى
تبقي التوازن سيدا للموقف في منطقة محسوبة عليها تاريخيا بحكم احتلالها للبلدين، ورغبة الساسة
الفرنسيين في إبقائها مركزا للنفوذ.
وبمنظار د/معراف، فإنّ المرحلة الثالثة في مسار التسلح في الجزائر، انطلقت العام 1984، ولا تزال
مستمرة بتقديره إلى غاية اليوم، وتتميز برأي الخبير بدخول الجزائر بقوة على المستويات البرية
والبحرية والجوية، ويستدل محدثنا بارتفاع ميزانية التسلح بشكل مطرد بين عامي 1980 و1985،
قبل أن تتراجع سنة 1986 بسبب الأزمة المالية وتراجع أسعار البترول، لكنها سرعان ما عاودت
الارتفاع مع سنة 1992 التي اقترن شتاؤها بنشوب الأزمة الأمنية في الجزائر، بيد أنّ الدكتور معراف
يلح على أنّ تلك العودة كانت مُحتشمة، فعدا روسيا وبعض الدول "الصديقة" التي واصلت إمداد الجزائر
بالسلاح، سارت كل من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية في اتجاه معاكس، على خلفية الموقف
الذي اتخذته كل من باريس وواشنطن من "الاسلام السياسي"، واعتبارهما آنذاك أنّ النظام الجزائري
قام بما نعتته العاصمتان (حماقات) انتابت التعامل مع ظاهرة "صعود نجم" الاسلاميين المتشددين،
وما رافق ذلك من توجيه الاليزيه والبيت الأبيض اتهامات إلى السلطة الجزائرية اشتهرت في تلك
الفترة، بما أطلقا عليه "انتهاكات حقوق الانسان". لكن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001،
أحدثت تحولا مفصليا، سارع معه الرئيس الأميركي السابق "جورج دبليو بوش" إلى اتخاذ الجزائر
كحليف أساسي في "حربه على الإرهاب"، وتصنيفها ضمن قائمة البلدان "الصديقة والشريكة" التي
تم تزويدها بمعدات وأجهزة عسكرية ثقيلة، واستفادت من إنجاز برامج خاصة بالتدريب والتعاون
في مجال مكافحة الإرهاب ضمن "خطة دعم موسّع"، في سياق دعم جهود الجزائر لتحديث قواتها المسلحة،
حيث اقترحت واشنطن رصد مساعدات للجزائر بحدود 2.8 مليون دولار خلال العام 2007.
وفي تصريحات خاصة بـ"إيلاف"، يشرح الأستاذ كمال منصاري أنّ الجزائر دخلت منذ سنة 1999
في مرحلة تطوير جيشها وجعله محترفا وفقا لمعطيات جيو إستراتيجية عد
|